Menu

المقاومة الفلسطينية في مواجهة عدوان قوات الاحتلال على المعتكفين في المسجد الأقصى

عليان عليان

لم نفاجأ بالعدوان الهمجي الذي شنته قوات الاحتلال على المسجد الأقصى فجر أمس الأول وتنكيله بالمعتكفين، وبحرائر فلسطين، بالضرب المبرح، وبإلقاء القنابل الغازية والصوتية ما أدى إلى إصابة ما يزيد عن 150 مواطن ومواطنة فلسطينية، واعتقال (500) مواطن ومواطنة، فالعدو مهد لهذا الاقتحام الفاشي منذ بداية شهر رمضان، باعتدائه على المصلين عقب أداء صلاة التراويح وإخراجهم من المسجد بالقوة.

فالعدو في عدوانه على المعتكفين في المسجد الأقصى، يترجم الاتفاق المبرم بين نتنياهو وبين طرفي الصهيونية الدينية "بن غفير وسيموريتش" في إطار حكومة الائتلاف اليمينية المتطرفة، الذي شمل استكمال تهويد القدس بما يشمل التفريغ التدريجي لها من سكانها وأصحابها العرب، وتغيير الطابع العربي الاسلامي للمقدسات الاسلامية، من خلال البدء بالخطوة الأولى ممثلةً بتقسيم المسجد الأقصى زمانياً ومكانياً، ومن خلال تهويد محيط البلدة القديمة "بلدة سلوان" وعبر مسمى  الحدائق التوراتية، ومن خلال استكمال تطويق القدس بالمستوطنات، وهو في سبيل إنجاز ما تقدم عمل على تشريع وتنفيذ الآليات المطلوبة على نحو: المباشرة ببناء عشرة آلاف وحدة استيطانية  في الضفة و في محيط القدس على وجه التحديد، وإعادة الاعتبار لتسعة مستوطنات عشوائية جرى إلغائها عام 2005، وتسليح المستوطنين وإقامة ميليشيا خاصة لهم تحت مسمى "الحرس الوطني" وتخصيص موازنة مالية له تقتطع من موازنة بقية الوزارات.

وبالإضافة لما تقدم، فإن حكومة الائتلاف الصهيونية المتطرفة، بإرسالها شرطة الاحتلال للاعتداء على المعتكفين في المسجد الأقصى، أرادت أن تهرب إلى الأمام من الأزمة القائمة في الشارع الإسرائيلي، على خلفية الانقلاب القضائي الذي عملت على إنجازه وتشريعه من خلال "الكنيست"، لا سيما وأن اضطرار نتنياهو لترحيل خطته في الاصلاح القضائي لشهر يوليو (تموز) القادم، تحت وطأة مظاهرات بمئات الألوف على مدى عدة أسابيع، لم ينه المظاهرات بشكل نهائي، بل  باتت هذه المظاهرات مرشحة مجدداً للتصاعد، بعد وعود قدمها نتنياهو لابن غفير، بأنه سيطرحها مجدداً للتصويت الصيف القادم، ومن ثم فإنه إنما يريد أن يشد الشارع الصهيوني على اختلاف تلاوينه السياسية إلى القاسم المشترك، ممثلاً بتهويد القدس والمقدسات على حساب الحراك المشتعل في الداخل الصهيوني.

ما يلفت النظر ويثير السخرية المرة، ردود فعل بعض أطراف النظام العربي الرسمي المطبعة علناً  أو المطبعة من تحت الطاولة، وخاصةً حكومات مؤتمري العقبة وشرم الشيخ، ومن قبلهما حكومات مؤتمر النقب، على جريمة اقتحام الأقصى والتنكيل بالمرابطين والمرابطات فيه، تمثلت في إدانة ما حصل باعتباره مناقض لمبادئ القانون الدولي، ويضر بجهود السلام والاستقرار في المنطقة، ويضر بجهود التهدئة التي تم التوافق عليها في المؤتمرات السابقة.

 فمثل هذه التصريحات تأتي من باب رفع العتب ليس أكثر، ناهيك أنها تخفي حقيقة أن هذا العدوان الصهيوني عل القدس ومقدساتها، هو في السياق العملي جاء بغطاء من قرارات مؤتمري العقبة وشرم الشيخ، التي استهدفت إنهاء المقاومة المسلحة، ولم تستهدف إنهاء جرائم الاحتلال بحق شعبنا، وفي الذاكرة إدانة معظم أركان شرم الشيخ والعقبة للعمليات الفدائية الفلسطينية، وصمتها المريب على مجازر الاحتلال في جنين ونابلس وبقية أرجاء الضفة الغربية.

التطور الجديد أن الحكومة الأردنية، دعت لأول مرة الجامعة العربية للانعقاد لمتابعة تطورات الأوضاع في القدس، وسعي الكيان الصهيوني لتغيير الوضع التاريخي والقانوني للأماكن المقدسة، بما في ذلك إلغاء الولاية والوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية، لكن ورغم أهمية هذه الدعوة من ناحية الشكل، إلا إن محصلتها ستكون صفرية من قبل الجامعة العربية، لأن ما سيصدر عنها لن يتعدى صدور بيان منمق يتضمن الشجب والإدانة، واعتبار ما يحصل يضر باستقرار المنطقة ويناقض مبادئ القانون الدولي.

ولا يتوقعن أحد بأن يصدر عن الجامعة خطوات وإجراءات عملية، تدعو إلى وقف التطبيع الرسمي مع العدو الصهيوني، أو إلى تجميد أو إلغاء المعاهدات والاتفاقات الموقعة منه أو الحد من مفاعيل هذه المعاهدات، مثل عدم المشاركة في الإفطارات الرمضانية التي يقيمها العدو لسفراء الدول المطبعة، أو عدم المشاركة في مؤتمرات هرتزيليا التي تعقد كل عام لمناقشة خطط ما يسمى بالأمن القومي الصهيوني، أو الحد من استثمارات حكومات التطبيع الابراهيمي بعشرات المليارات في الكيان الصهيوني دعماً لاقتصاده واقتصاد المغتصبات الصهيونية. وكان من الضروري -في اعتقاد العديد من المراقبين -أن تأخذ الحكومة الأردنية موقفاً مغايراً عن بقية الدول التي تربطها بالكيان علاقات تطبيعيه، كأن تلجأ إلى طرد السفير الصهيوني من عمان، واستدعاء السفير الأردني من تل أبيب، وتجميد العمل بمعاهدة وادي عربة المرفوضة بشكل كامل من الشعب الأردني، بحكم أنها متضرر مما جرى ويجري في القدس.

 فما حصل ويحصل يضرب في الصميم الولاية الهاشمية على المقدسات، إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن هذه الولاية ركن أساسي من الشرعية التي يستند إليها الحكم في الأردن  تماماً كالشرعية التي يستند إليها الحكم في السعودية بحكم ولايته المطلقة على المقدسات في مكة والمدينة المنورة، يضاف إلى ما تقدم فإن الأردن كان ولا يزال مستهدفاً من قبل الاحتلال الصهيوني، وتصريحات وزير المالية الصهيوني" بتسلئيل سموتريتش" في باريس التي عرض فيها خريطة للكيان الصهيوني تضم كامل الأرضي الفلسطينية  والأردنية، لا تزال ماثلة في الأذهان، كما أن كتاب نتنياهو "مكان تحت الشمس" بخصوص الأطماع الصهيونية لا زال ماثلاً في الأذهان أيضاً.

في مواجهة هذه العدوان الجديد على الأقصى وعلى القدس -عاصمة فلسطين التاريخية - وفي مواجهة سلسلة الاعتداءات على أبناء شعبنا المستمرة في الضفة والقطاع وفي مناطق 1948، وفي مواجهة تنكره للحقوق التاريخية لشعبنا وعلى رأسه حق العودة المقرون بالتحرير، فإن الأمل يظل معقوداً على مقاومة شعبنا وفصائل المقاومة التي هبت لنجدة القدس والأقصى بإطلاق الصواريخ من قطاع غزة، على المغتصبات الصهيونية، كرسالة تحذير من مغبة الاستمرار في اقتحامات الأقصى، والاعتداء على المرابطين فيه في إطار مخطط تهويده. كما أن جماهير شعبنا في مختلف مدن ومخيمات وبلدات الضفة الفلسطينية هبت منذ فجر أول أمس في مظاهرات كبيرة نصرة للقدس والأقصى، في حين انطلق رجال المقاومة لتنفيذ عملياتهم الجريئة ضد مواقع العدو والمستوطنين في محيط مدن جنين ونابلس والخليل وبقية أرجاء الضفة الغربية.

فالمقاومة المستندة إلى حاضنة شعبية فلسطينية وإلى عمق شعبي عربي وإلى محور المقاومة، وفق قراءتها وتقديراتها، جاهزة في مرحلة قريبة جداً، لأن تنفذ معركة سيف قدس أخرى، كتلك التي نفذتها في (21) مايو (أيار) 2021، غداة تمادي العدو الصهيوني في اقتحام الأقصى، وفي  محاولاته للسطو على منازل المواطنين الفلسطينيين في حي الشيخ جراح، ناهيك أن المقاومة في الضفة الغربية التي أعادت الصراع الوجودي مع العدو إلى مربعه الأول، باتت تقض مضاجع الاحتلال وتشكل خطراً وجودياً عليه باعتراف العديد من القيادات الصهيونية.

أما قيادة السلطة الفلسطينية– العنصر الرئيسي في قمتي العقبة والشرم الشيخ – التي أوكلت لها مهمة تصفية المقاومة المسلحة، وعدم الاكتفاء بمهمة التنسيق الأمني، فراحت تداري خجلها  وتنصلها من أي دور لنصرة شعبها، وحماية مقدساته، راحت تطالب على لسان رئيس وزرائها محمد اشتية ،بمطالبة المجتمع الدولي بالضغط على حكومة الاحتلال  لوقف إجراءاته وخططه في القدس والمسجد الأقصى.

وأخيراً وأمام خطورة المرحلة، التي كشف فيها غلاة اليمين عن خططهم الإجرامية والتهويدية للقدس وعموم الضفة الفلسطينية، لا بد من اجتراح مهمات وخطوات عملية على رأسها الارتقاء بغرفة العمليات المشتركة في قطاع غزة، باتجاه تشكيل جبهة مقاومة موحدة في قطاع غزة، وباتجاه تشكيل قيادة ميدانية موحدة للانتفاضة والمقاومة في الضفة الغربية.